11 juin 2016

سُؤالٌ مُحيِّرٌ في حمّام الأغزاز: هل تجوزُ الثّقافةُ في المقابر؟

سُؤالٌ مُحيِّرٌ في حمّام الأغزاز:

هل تجوزُ الثّقافةُ في المقابر؟




مزار بن حسن

قد يبدو التّساؤُلُ في نَظَرِ القارِئِ غريبًا وطريفًا، فما العلاقةُ بين الثّقافةِ والمقابر عامّةً؟ وهل يحتاجُ المُثقَّف إلى الأمواتِ حتّى ينشُرَ الفعلَ الثّقافيَّ؟ أو إلى المؤسّسة الفقهيّة حتّى يبحثَ عن مشروعيّة دينيّة للثّقافة؟ !

لكنَّ السُّؤالَ قَدْ طُرحَ فعلاً في المدّةِ الأخيرة بحمّام الأغزاز بطريقةٍ ما. وذلك بعد أنْ قرّرَ ثُلّةٌ من الشّباب المُثقَّف هناكَ أن يستَهلَّ نشاطَهُ الصّيفيَّ بحملةِ تنظيفٍ كُبرى في كامِلِ أرجاءِ البلدةِ، وكانَ مُستقَرُّ الرّأيِ عندهم أنْ تبدَأَ الحملةُ بمقبرةِ البلدة، على أن تتّسِعَ دائرَةُ الحملةِ لِتَشملَ في ما بعدُ الطّرُقاتِ والأحياءَ والشّواطِئَ حتّى تتهيَّأَ للموسم السّياحيّ الصّيفيّ. جمعَ هؤلاءِ الشّبابُ أنفُسَهم بغيرِ الطُّرقِ التّقليديّة، بل عبر شبكات التّواصل الاجتماعيّ، وخاصّةً عبر صفحة "اتّحاد مُتساكِني حيّ الازدهار بحمّام الأغزاز" على الفيسبوك، التي لم يَمْضِ على تأسيسِها إلاّ بضعةُ أشهُرٍ. ومُؤسِّستُها هي "عبير ميدة" إحدى الفاعلات الاجتماعيّات في في أكبر أحياء حمّام الأغزاز على الإطلاق. وسرعان ما هبَّ الشّبابُ من كلِّ فجٍّ عميقٍ مُلبِّينَ النِّداء.

جمعيّة "أوغوز" (Oghouz) الثّقافيّة وجمعيّات أخرى:

انضمّت إلى الحملة جمعيّة شبابيّة ثقافيّة حديثة العهدِ بالتّأسيس في البلدة، اتّخذت لنفسِها اسم جمعيّة "أوغوز" الثّقافيّة. وحسنًا ما فعلت في ذلك، فـ"أوغوز" هو الاسمُ القديم لقبيلة من قبائل الأتراك التي انحدر منها مُؤسِّس حمّام الأغزاز في النّصف الثّاني من القرن السّابع عشر. والعربُ أطلقوا على هذه القبيلة اسم "الغُزّ". وهم مذكورون في كتب التّاريخ المشرقيّة والمغربيّة، واشتهروا بمهارتِهم في الحروب، فاتّخذهم العربُ في جيوشهم ومعارِكهم واستفادَ من تقنياتهم الحربيّة. فقد ذكر الجاحِظ التّرك في كتاباتِه منذ القرن الثّالث للهجرة، بل خصّص لهم رسالةً كامِلةً من مجموعِ رسائله سمّاها: "رسالة في مناقب التّرك وعامّةِ جند الخلافة"[1] تعدّد خصالَهم وأفضالَهم على المؤسّسة العسكريّة في عهد الدّولة العبّاسيّة. كما خصّصَ لهم "ابنُ فضلان" في القرن الرّابعِ للهجرةِ فصلا كاملا في رحلتِه إلى حوض الفولغا سمّاه: "في بلادِ التّرك الغُزّيّة" وقد اتّخذه لأجل وصفِ مساكنهم وعاداتِهم ومعتقداتِهم وغير ذلك في مواطنهم شمالي بحر خوارزم  (أو بحر الآرال)[2].

والنّسبةُ إلى القبيلة "غُزِّيٌّ" و"غُزِّيَّة" وجمعُها "أغزاز". وكُلُّ من يُنسَب إلى حمّام الأغزاز اليومَ، أو إلى عائلة من العائلات المنحدرة من هذه القبيلة في تونسَ يُسمَّى "غُزِّيًّا". مثل أغزاز القيروان (ومنهم مُحمّد الغُزّيّ الشّاعر وعبد اللّطيف الغُزّيّ المغنّي الشّعبيّ...) وأغزاز "بني حسّان" وغيرهم...
من أجل ذلك اختارت هذه الجمعيّة أن يكونَ اسمُها مُتجذِّرًا في هُويّتِه، وأن يكونَ مِن أهدافِها توثيقُ التّراث الثّقافيّ بحمّام الأغزاز والمحافظةُ عليه كمحافظتِهم على أضرِحةِ آبائهم وأجدادِهم بمقبرة "سِتّي مريم[3]"، وتنشيطُ المدينة وتأطيرُ المواهب الفنّيّة الشّبابيّة هناك. وقد اتّخذت لتحقيقِ ذلكَ وسائلَ غيرَ تقليديّة كالجمع بين مختلف الإبداعات الفنّيّة في لقاء "مجاز2" (شعر- قصّة- ابتكارات يدويّة- رسم- موسيقى...) أو تنظيم إفطار جماعيّ على شاطئ البحر مصحوبا بأجواء احتفاليّة موسيقيّة وغنائيّة أو تنظيف المقبرة...
ولم تكنْ "أوغوز" وحدَها على السّاحة الثّقافيّة الشّبابيّة، ففي الأثناء أيضا تأسّست جمعيّة "عشتار" التي تُقارِبُ "أوغوز" في أهدافِها ووسائلِها وتتّخِذُ صبغةً أدبيَّةً وفكريَّةً. وقد شاركت هي أيضا في تنشيط المدينة بتزيين الأرصفة والجدران بالمدرسة الابتدائيّة وطريق الشّاطئ. كما تأسّست مجموعة شبابيّة فيسبوكيّة أخرى أطلقت على نفسِها اسم: "فريق يصنع جيلاً آخرَ" أو (SMAG : Squad making another generation) وقد شارك هذا الفريقُ جمعيّتيْ "أوغوز" و"عشتار" في بعضِ أنشطتِهما.

وعلى كُلِّ حالٍ، هم شُبّانٌ من التّلاميذ والطّلبة والعاطلين عن العمل، من البنات والأولاد، أتَوْا إلى مقبرةِ "سِتّي مريم" بحمّام الأغزاز بملابِسهم الفضفاضة والضّيّقة وبـ"الدجين" الممزَّق، وبشعورِهم المُرسَلة والمُجعَّدة وبعُقودِهمْ المُعلَّقةِ على صدورِهمْ، وبمعاوِلهم ورُفوشِهم وفؤوسِهم ومساحِيهمْ... يقتلعونَ ما أنبتَهُ تعاقُبُ الفُصولِ واختِلافُ اللّيلِ والنّهارِ من الحشائش والشّوائب، ويُنظّفون ما تراكَمَ من غبار السّنين ومن سائرِ المقذوفاتِ الإنسانيّة وغيرِ الإنسانيّة على قُبورِ آبائهمْ وأجدادِهم، ويطلون بالجيرِ ونحوِه ما تفسّخَ من تلك القبورِ ومِن جُدرانِ سُورِ المقبرةِ.

قد كانت الحملةُ استثنائيَّةً بكلّ المقاييس. فهي مرفوقةٌ بآلاتِ التّصوير والهواتف الذّكيّة وغيرها من الأجهزة الرّقميّة الموصولة مباشرةً بالانترنت ومواقع التّواصل الاجتماعيّ. ورأينا ورأى النّاسُ من خلال المتابعة العينيّة والمتابعة الافتراضيّة بناتٍ وأولادًا يلتقطون صور "السّلفي" بوجوهٍ ضاحِكةٍ وثُغورٍ باسِمَةٍ مع أقارِبهم وأعِزَّائِهمْ الرّاقدينَ تحتَ الثَّرَى مُنذُ مُدَدٍ مُتفاوتةٍ. ثمّ ينشرونَ تلك الصّورَ في الفيسبوك ويشاركونَ أصدقاءَهم الافتراضيّين في مُشاهدَتِها واستحسانِها، إذ لا تخلو مُعظَمُها من لمساتٍ فنّيّةٍ وجماليّةٍ. بل ذهبوا أبعَدَ مِنْ ذلك وصوّروا مشاهِدَ دِعائيَّةً في ما يُشبه الأفلامَ القصيرَةَ، باعتِبارِ أنَّ نسبةً كبيرةً منهم ينتمونَ إلى "نادي السّينمائيّين الهواة بحمّام الأغزاز" المعروف بجوائزِه الوطنيّة والعالميّة. وقد تابعَ النّاسُ باستِظرافٍ ذلك الفيديو الذي يُصوِّر أحَد هؤلاء الشّبّان واقِفا أمام الكاميرا مُمسِكًا بيدَيْه مِقصًّا كبيرًا لتقليم الأشجار ووراءَه بقيَّةُ رُفقائِه واقِفينَ كالأصنامِ، وكُلُّ واحِدٍ منهم قابِضٌ على آلتِه بيدِه لكنْ بدونِ حراكٍ، حتّى إذا ضُربَ المِقصُّ انطلقَ الجميعُ في العمل كما تنطلقُ مشاهِدُ تصوير الأفلام في السّينما.

أحياءُ أم أموات؟

حملةُ نظافةٍ في المقبرةِ، لم يغِبْ عنها الفنُّ بكافّةِ أشكالِه: الغناء والتّصوير الفوتوغرافي والسّينمائيّ وبعض الحركات الرّاقصة... مشاهِدُ لمْ نعهدْها من قبلُ أعجبتْ كثيرًا من النّاسِ. ورُبّما لِأجلِ ذلك أيضا أقضّتْ مضاجِعَ المُحافِظينَ وأثارتْ امتِعاضَهم وغَضَبَهُمْ. فبدأت شِبهُ حملةٍ مُضادَّةٍ في الفيسبوك تُعبِّرُ عن استِياءِ النّاسِ مِن بعضِ ما صاحبَ حملةَ التّنظيفِ من مشاهِدَ غيرِ لائقةٍ بالمقامِ في نظَرِهم. وتصيَّدوا لهم بعضَ الصّور والمشاهِدِ التي أفلتَ فيها الزِّمامُ الكابِحُ وانطلقَ بها الجِماحُ أكثرَ من اللُّزومِ.
فمِن ذلك صورَةُ أحدِ الشّباب وهو يَعتلِي ضَريحًا مِن الأضرِحةِ ليُقلِّمَ بالمِحشِّ شجرةً تُظلِّلُ ذلكَ الضّريحَ. وقد احتجّوا بتلك الصّورةِ ليُؤكِّدوا أنّ ذلك يُعدُّ اعتِداءً وتطاوُلا على الميِّتِ. وعلّقوا على ما رأوْهُ بقولِهم: "إنّ للمقابِرِ حُرمَةً وهيبَةً، شأنُها في ذلك شأنُ المساجِد". كما قال بعضُهم لائِما مُتحسِّرًا: "إنّ هذا يتعارَضُ مع آدابِ زيارة القبور". فردَّ عليهِ أحدُ مُنظِّمي الحملةِ قائِلاً: "نحنُ لم نأتِ لنَزُورَها بل لِنُنظِّفَها، حتّى إذا زُرْتُموها أنتم بعدَ ذلك وجدتُموها نظيفةً". وهي إجابةٌ في غاية اللّباقةِ والذّكاء، إذ تفضَحُ بطريقةٍ ضِمنيّةٍ كلَّ خِطابٍ مُتستِّرٍ بالدّين لا يضعُ تنظيفَ قُبورِ أسلافِه من بين أولويّاتِه، بل لا يهتمّ بالقبور وآدابِ زيارتِها إلاّ إذا رأى غيرَهُ قد اجتهدَ في تنظيفِها وهو قاعِدٌ عنها.
لعلّه مِنَ الطّبيعيّ أن يكونَ للمقبرةِ هيبةٌ وحُرمةٌ كغيرها من الأماكن المقدَّسة في كلّ مكانٍ في العالمِ وفي كلِّ دينٍ ومذهبٍ وثقافةٍ. ولنا في ثقافتِنا العربيّة خيرُ دليلٍ على ذلك، وهو قولُ أبي العلاء المعرّيّ في قصيدة "غيْرُ مُجْدٍ في مِلَّتِي واِعتِقادِي"[4] مُخاطِبا الإنسانَ الذي يمُرُّ بجانِب القبور:

خَفِّفِ  الوَطْءَ  ما  أَظُنُّ  أَدِيمَ  الــ
ــأرْضِ  إلاّ  مِنْ  هذهِ  الأجْسَـادِ
وَقَبِيحٌ  بِنَا  وإنْ  قَدُمَ  العَهْــــــــــ
ــــــدُ   هَوَانُ  الآباءِ  والأجْــدَادِ
سِرْ إنْ اِسْطَعْتَ في الهواءِ رُوَيْدًا
لا  اِخْـتِــيَالاً  على  رُفاتِ  العِبادِ

ولكنْ، هلْ ينطبقُ كلامُ المعرّيّ على ما وقع بمقبرة "ستّي مريم" بحمّام الأغزاز؟ لا أعتقد ذلك. إذْ لو قُدِّرتْ حياةٌ أخرى له وعودةٌ إلى الدّنيا، ثمّ شاهدَ احتفالَ الشّباب بالحياة والفنّ بين الأمواتِ لأعجبَه ذلك، ولَاعتبرَ وطْأَهُم للقُبورِ خفيفًا وسيْرَهم عليها تحليقًا في الفضاء. وكذلك حالُ الآباء والأجداد الذين سبقونا إلى الدّار الأخرى في حمّام الأغزاز. إنّهم مُستبشرون وضاحِكون، وأكثرُ مِن ذلكَ، فهم مُتعاوِنونَ مع أبنائهم وأحفادِهم لا يبخلون عليهم بالمُساعدةِ كُلّما اِحتاجوا إليها. فكثيرٌ من الأمواتِ أحياءٌ عند أهلِهمْ يُرْزَقون، وكثيرٌ من الأحياءِ أمواتٌ يعيشونَ بينَنا.

ونختِمُ كلامَنا هذا بما كتبَهُ أحدُ المُتطوِّعينَ الشّباب على الفيسبوك في معرِضِ ردِّه على تعليقات و"تنبيرات" بعضِ أصحابِ النّفوسِ المريضةِ من المُحافِظين الذين لامُوهمْ على الغناء والرّقص واعتلاء القبور وغيرِ ذلك مِمّا يُخِلُّ بآدابِ زيارة القبور عندهم. وكانَ رَدًّا مُؤثِّرًا ومُعبِّرًا:

"كُنت عند قبر أمّي أنظِّف و أُدندن بعضَ الألحان وأحكي لِمَنْ كان حاضرا معي عن بعض طرائفي معها، وكُنتُ أستعين بالقبر للجلوس لكي أستطيعَ إعادةَ كتابةِ المشهَد بالحبر و"فحّجتُ" على القبر لِأصِلَ إلى بعض النّواحي ولِيكونَ جسدي مرتاحا أكثرَ. و كانت أمِّي لا ترى مانعا في ذلك حيث كان صوتها يرنُّ في أُذُني قائلةً: "إيجا من هنا ما يسالش... هاذي ما نظفتهاش بالباهي... أيا ما تبداش تبلفط كي عادتك... وينك؟ إشبيك ليوم برك جيت؟؟ جاب ربّي فمّا حملة ولا راك تجي كان في العيد !! " و أجزم بأن أمّي فرحة أكثر من العديد الذين لم يأتِهم أهلُهم و ذَوُوهم، وتتباهى بقدوم ابنها. فشكرا لجمعية "أوغوز" وشكرا لإتحاد متساكني حي الإزدهار  بحمّام الأغزاز. أُمّي تقرئكم السّلام".


[1]  رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة 1964 مكتبة الخانجي، ج1 ص 5.
[2]  رحلة ابن فضلان (في حوار الحضارات والأديان) الفقيه ابن فضلان ورحلتُه إلى حوض الفولغا، تحقيق أحمد خالد، تونس 2009 منشورات زخارف ط1. ص 179.
[3]  يُذكر هنا أنّ مقبرة ستّي مريم ومقامُها بحمّام الأغزاز موثَّق من قبل المعهد الوطنيّ للتّراث منذ سنوات تحت عدد: 016/ 122.  وهو معلم قديم لكنْ لم يتمَّ الحفاظُ عليه كسائر الآثار الموجودة بالجهة. انظُر: Ministère de la culture et de la jeunesse et des loisirs, Institut national du patrimoine : Carte nationale des sites archéologiques et des monuments historiques, Kélibia 016, p 80. : http://www.inp.rnrt.tn/Carte_archeo/pdf/Fr/016KelibiaFr.pdf
[4]  ديوان "سقط الزّند" لأبي العلاء المعرّيّ. بيروت، 1957، دار صادر للطّباعة والنّشر، ص 7.

9 juin 2016